عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

504

اللباب في علوم الكتاب

سورة الإسراء قولهم : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] الآيات ، وهذا أيضا كلام الكفّار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ، فدلّ على حصول المعارضة . الوجه الثاني : أنّ كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله ، وقدرته ، وكانوا قد سمعوا التّهديد الكثير من محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في نزول العذاب ، فلو كان القرآن معجزا لعرفوا كونه معجزا ، لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، ولو عرفوا ذلك لكان أقلّ الأحوال أن يشكّوا في نبوّة محمد - عليه الصّلاة والسّلام - ، ولو كانوا كذلك لما أقدموا على قولهم : « اللّهمّ إن كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السّماء » ؛ لأن الشّاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة وحيث أتوا بهذه المبالغة علمنا أنّه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة . فالجواب عن الأول : أنّ الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة ؛ لأنّ هذا القدر كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة . والجواب عن الثّاني : هب أنّه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجزا إلّا أنّه لما كان معجزا في نفسه ، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال . قوله « هو الحقّ » العامّة على نصب « الحقّ » وهو خبر الكون ، و « هو » فصل ، وقد تقدّم الكلام عليه . وقال الأخفش : « هو » زائد ، ومراده ما تقدّم من كونه فصلا . وقرأ الأعمش « 1 » ، وزيد بن عليّ : برفع « الحقّ » ووجهها ظاهر ، برفع « هو » بالابتداء و « الحق » خبره ، والجملة خبر الكون ؛ كقوله : [ الطويل ] 2699 - تحنّ إلى ليلى وأنت تركتها * وكنت عليها بالملا أنت أقدر « 2 » وهي لغة تميم . وقال ابن عطية : ويجوز في العربية رفع « الحقّ » على خبر « هو » والجملة خبر ل « كان » . قال الزّجّاج « 3 » « ولا أعلم أحدا قرأ بهذا الجائز » ، وقد ظهر من قرأ به وهما رجلان جليلان . قوله : « من عندك » حال من معنى « الحقّ » : أي : الثّابت حال كونه من عندك . وقوله « من السّماء » فيه وجهان : أحدهما : أنّه متعلق بالفعل قبله . والثاني : أنه صفة ل « حجارة » فيتعلق بمحذوف .

--> ( 1 ) ينظر : الكشاف 2 / 216 - 217 ، المحرر الوجيز 2 / 521 ، البحر المحيط 4 / 482 ، الدر المصون 3 / 415 . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) ينظر : معاني القرآن للزجاج 2 / 455 .